كلمة السفير
 الجامعة العربية
الحضارة العربية
 مطبوعات
المجتمع العربي
الجامعة العربية والصين
بعثة الجامعة العربية لدى الصين
الدول الأعضاء
  القدس  الشريف
  مطبوعات

 

 

 


 

كلمة معالي السيد عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية

في افتتاح أعمال المنتدى الاقتصادي العربي الأمريكي

ديترويت، 29 سبتمبر/أيلول 2003


أصحـاب السعـادة،
السيـدات والسـادة
إنه لمن دواعي عظيم غبطتي أن أتحدث لهذا الجمع من العرب والأمريكيين ونحن نجتمع في ديترويت - تلك المدينة الأمريكية الفريدة التي جمعت بين العرب والأمريكيين منذ أوائل القرن العشرين، مما جعلها موطنا لواحد من أكبر المجتمعات العربية - الأمريكية في الولايات المتحدة.
وإنني أعتقد أن الغرض من اجتماعنا هنا له مغزى عظيم ألا وهو : بداية مرحلة جديدة من الحوار العربي الأمريكي ، بداية جديدة من أرضية جديدة.
لكنني قبل أن أستطرد في حديثي، أود أن أبدأ بالإعراب عن عميق تقديري لمحافظ وعمدة هذه الولاية النشطة، وهي ولاية متشيجان ولأعضاء مجلس الشيوخ والنواب ولشعب هذه الولاية على ما لقيناه من استقبال يتسم بحرارة فريدة.
كذلك أرجو أن تسمحوا لي بالإعراب عن عميق امتناني وتقديري لمجموعة الشباب من الأصدقاء العرب - الأمريكيين الذين اضطلعوا بالمهمة الشاقة لتنظيم هذا المؤتمر. ذلك أن موهبتهم وديناميتهم ضربت لنا جميعا المثل المشرق لما يمكن أن يقدمه التراث العربي الأمريكي من إمكانيات هائلة.
فلكم جميعا، ولهم جميعا أعمق آيات شكري وامتناني.
السيدات والسادة ..
لم يكن تنظيم هذا المؤتمر أمرا سهلا. فقد استغرق الأمر ثمانية عشر شهرا، بل ما يقارب العامين، من العمل الشاق والتفاني المخلص لكي يصبح هذا المنتدى العربي-الأمريكي الأول حقيقة واقعة. وبوصفي الأمين العام لجامعة الدول العربية فإنني أرى في هذا الحدث تحقيقا لواحد من أهداف الجامعة وأولوياتها الرئيسية ألا وهـو : أن نبدأ مستوى جديدا من الحوار العربي الأمريكي يشارك فيه المجتمع العربي-الأمريكي بعمق.
إن الحماس الذي استجبتم به للدعوة لهذا الاجتماع - سواء من العرب أو الأمريكيين أو العرب الأمريكيين - ليؤكد الأهمية العظمى التي نعلقها جميعا على بداية حوار عربي - أمريكي حقيقي.
إن فظائع يوم الحادي عشر من سبتمبر وما تولد عنها من أحداث عاصفة كان لها تأثير سلبي للغاية على فهم كل من العرب والأمريكيين تجاه كل منهما الآخر. غير أن هذا ينبغي ألا يكون سببا للاستسلام للأمر الواقع.
وفي التاريخ الطويل للتفاعل بين العرب والأمريكيين نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى الاعتراف بالأهمية الملحة للحوار. ذلك أن الحوار هو السبيل الوحيد الذي يمكننا نحن العرب والأمريكيين من تقدير "الآخر" من خلال الفهم المتبادل وخلق مفاهيم جديدة وتوسيع نطاق الشراكة دون توقف.
بهذا المفهوم يتعين علينا أن ننظر إلى اجتماعنا هنا في ديترويت. ذلك أننا عندما ننشئ مستوى جديدا للتعاون العربي - الأمريكي، فإننا نساعد على تجنب معضلات السياسة، بل والتغلب عليها، عن طريق إيجاد قنوات ذات مغزى للتفاعل الاقتصادي والثقافي.
لا شك أن هناك كثيرا من العقبات التي تواجهنا. فالعلاقات العربية الأمريكية محاصرة بسوء الفهم منذ الحادي عشر من سبتمبر. فقد سٌطّح التنوع الهائل لتاريخ العرب والمسلمين وثراء هذا التاريخ، كما استٌهين بما تحفل به معتقداتهم الدينية من تسامح. وبالمثل تعرض فهم الولايات المتحدة في العالم العربي لتأثير سلبي خطير.
إننا، كعرب، نحتاج بصفة خاصة لأن نقاوم الدعوة المغرية لتقمص عقلية ودور الضحية. فالتهديد من الخارج ينبغي ألا يكون مبررا للتهرب من مهمة التفكير الذاتي والتعرف بصراحة وشجاعة على ما يشوب مجتمعاتنا من أمراض وقصور.
السيدات والسادة..
إنني أقترح أنه ينبغي علينا جميعا أن نكون منفتحين تجاه النقد الموضوعي من الآخرين. على أننا ندرك، مع ذلك، أن إصلاح مجتمعاتنا إنما هو عملية ملقاة على عاتق شعوبنا.
إن التقرير العربي الأول عن التنمية البشرية، وهو تقرير صدر عن الجامعة العربية عام 2002 وأعدته مجموعة من الباحثين العرب، كان أمينا بصورة هائلة في تحديد عديد من العلل وأوجه القصور في مجتمعنا العربي المعاصر.
كذلك حدد التقرير كثيرا من المجالات التي تحقق فيها تقدم فعلي. وعلى سبيل المثال، فقد تحقق تقدم ملموس في الارتفاع بمستويات محو الأمية التي انخفضت بحلول منتصف التسعينيات. كما أن محو أمية المرأة قد تضاعف ثلاث مـرات منذ عام 1970. كذلك حققت غالبية البلاد العربية تقدما ملموسا في مجالات الزراعة والصناعة والاتصالات والخدمات.
ومن بين المؤشرات الإيجابية الحديثة إجراء انتخابات عادلة تتسم بالشفافية في كل من البحرين والمغرب واليمن، وصدور دستور جديد في قطر. وفي مصر أعلن الحزب الوطني الديمقراطي، وهو الحزب الحاكم، خلال الأيام القليلة الماضية التزامه بتحقيق الإصلاح السياسي وتوفير قدر أكبر من الديمقراطية.
كذلك قطع العديد من الدول العربية خطوات ملموسة على طريق الإصلاح الاقتصادي. وجاءت البحرين في المركز السادس عشر من بين 161 بلدا تضمنها مؤشر الحرية الاقتصادية. وفي نفس الوقت كانت مدينة الإنترنت في دبي في طليعة اندماج العالم العربي في مجتمع المعلومات العالمي.
ومع كل ذلك، فإن هذا التقدم يظل غير مرضٍ. فالطريق لا يزال طويلا من حيث التنمية الاقتصادية. ذلك أن إجمالي الناتج المحلي لكل البلاد العربية مجتمعة أقل من إجمالي الناتج المحلي لأسبانيا. وبالرغم من ذلك فهناك إمكانية هائلة. فقد قدر البنك الدولي أنه لو تحقق خلال السنوات العشر القادمة نصف تجارة واستثمارات المنطقة فإن نمو نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي سوف يقفز من 1% إلى نحو 4% في السنة.
على أن مثل هذه الإمكانية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال الاعتراف بشجاعة بالعقبات التي تعترض طريقها والعمل بحزم للتغلب عليها.

السيدات والسادة..
ليس هناك من شك في أن النزاع العربي الإسرائيلي كان، ولا يزال، عقبة رئيسية تعترض سبيل التنمية العربية والإقليمية على السواء. فقد لعب هذا النزاع، وهو الأكثر انتشارا من بين كل المنازعات الإقليمية والدولية، دورا كبيرا لتوجيه موارد ثمينة بعيدا عن مجال التنمية البشرية. كما أنه أثر بصورة مباشرة وشديدة في أمن البلاد العربية. ولم تقتصر الآثار السلبية لهذا النزاع على عملية توجيه وتخصيص الموارد فقط، وإنما كانت له آثار بالغة الضرر على الجوانب الفكرية والنفسية.
إن الإحساس بالظلم والمرارة العميقة لا يشجع على الإبداع والتنمية. ذلك أنه يحجب عن الناس منظور مستقبل أفضل، ويدفع البعض إلى اليأس الكامل. وهو بذلك، يحرمنا نحن العرب، من قدرات الشباب الهائلة وإمكانيات إسهاماتهم، وبدلاً من ذلك، يساقون إلى التطرف والعنف المدمر للذات.
إن التوصل إلى حل عادل وشامل للنزاع العربي- الإسرائيلي وللمسألة الفلسطينية هو المفتاح الذي لا غنى عنه لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية في منطقتنا. ولا يجول بخاطر أي منا أن مثل هذا الحل سيكون بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً إنجازه، دون المشاركة الفعالة من جانب الولايات المتحدة كوسيط نزيه حقيقي.
إن الوضع في العراق لا يقل أهمية عن ذلك بالنسبة لأمن المنطقة وتحقيق تنميتها المستدامة. وإنها لمسئولية مشتركة للمجتمع الدولي أن يعمل من أجل إعادة الاستقرار والسيادة لهذا البلد العربي الكبير في أسرع وقت ممكن، وتلك مسألة حيوية.
السيدات والسادة..
تعرفون جميعا أنني تجولت في كل أنحاء العالم العربي وبخاصة خلال العامين الماضيين، وحيثما ذهبت كنت اندهش من الاحساس بالاستعجال فيما يتعلق بالحاجة إلى إدخال إصلاحات واسعة، وهو ما عبر عنه القادة السياسيون والاقتصاديون وكذلك الرأي العام.
لقد بدأ وعي جديد يظهر في كل دولة عربية، وعلى المستوى العربي عموما، حيث بدأ الناس في توجيه أقصى انتقاد للكثير من الأفكار وأنماط السلوك التي ظلت قائمة لفترة طويلة.
وعلى خلاف النظرة السائدة خارج العالم العربي، فإن منطقتنا تموج الآن بعملية إعادة البحث والمناقشات الواسعة.
وفي يقيني، أيها السيدات والسادة، أن هذه العملية - التي تشارك فيها النخبة العربية والرأي العام العربي - إنما هي عملية تهدف إلى خلق الحيوية والتجديد، وتنطوي على إمكانية هائلة لمستقبلنا، ولمستقبل علاقاتنا مع بقية العالم.
السيدات والسادة..
إن القضايا التي يجري النقاش حولها الآن في العالم العربي قضايا متشابكة ومتعددة الجوانب. لكنني أود اليوم أن ألقي الضوء على اثنتين من هذه القضايا، التي أعتقد أن لهما أهمية خاصة سواء بالنسبة لاجتماعنا هذا أو لمستقبل التنمية البشرية في منطقتنا.
إن قضية تمكين المرأة تبرز في الناحيتين. ذلك أن هناك وعيا متزايدا بين صفوفنا بأن المجتمعات العربية تخلفت من حيث تمكين المرأة ومشاركتها. ولقد جرت مناقشات كثيفة وواسعة النطاق حول السبل والوسائل الكفيلة للتغلب على هذه العقبة الخطيرة التي تعترض طريق التنمية البشرية. وقد بذلت الحكومات والمجتمع المدني جهودا ملموسة في هذا الصدد. وإنني لأشعر بفخر واعتزاز لالتقائي هنا في ديترويت بعدد من سيدات الأعمال العربيات.
كذلك أود أن أذكر هنا تأسيس منظمة المرأة العربية عام 2001، وهي منظمة عربية شاملة تعمل من أجل تعزيز دور المرأة والدفاع عن حقوقها في العالم العربي.
والشيء المؤكد أننا لا زلنا نحتاج إلى القيام بجهد متواصل سواء في هذا المجال أو في غيره من المجالات. وربما كان أحد السبل التي يمكن لهذا المنتدى أن يسهم به في هذه العملية هو إنشاء منتدى أو لجنة عربية أمريكية للمرأة بهدف وضع البرامج الكفيلة بتحقيق هذا الهدف.
القضية الثانية التي أود أن ألفت الانتباه إليها في هذا الجمع هي إصلاح التعليم. ذلك أن هوة المعرفة بين العالم العربي والدول الصناعية أمر معترف به على نطاق واسع. وهنا يمثل التعليم مسألة حاسمة في سد هذه الثغرة. إن نظمنا التعليمية تحتاج إلى إصلاح جذري يضع حداً لأساليب التلقين في التعليم دون فهم، ويخلق مناخا يمكن للطلاب، أولا وقبل كل شيء، أن "يتعلموا كيف يتعلمون".
واسمحوا لي، في هذا الصدد، أن أقترح على هذا التجمع البارز بحث إمكانية إنشاء منتدى عربي أمريكي لتكنولوجيا المعلومات. منتدى يجمع الشركات التي تعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات في المنطقة العربية وفي الولايات المتحدة بهدف وضع برنامج عمل يرمي إلى تضييق الفجوة بين المتقدمين والمتأخرين تكنولوجيا.
السيدات والسادة..
يستحيل على المرء أن يقلل من قيمة قيام تعاون وتفاهم عربي-أمريكي أوسع. وعلى الأمريكيين من أصل عربي دور حيوي في هذا الصدد. وإنني أعتقد، أنه على الرغم من جوانب سوء الفهم الكثيرة التي خيمت على العلاقات العربية-الأمريكية في السنتين الماضيتين، إلا أن هناك توافقاً في الرأي على كلا الجانبين بأن هذا الوضع ينبغي ألا يستمر.
فأمريكا تدرك أن لها مصلحة في التنمية العربية، بقدر ما يدرك العرب أن قيام روابط اقتصادية قوية مع الولايات المتحدة أمر حيوي لبلوغ أهدافهم الإنمائية. وواقع الأمر أن المنطقة العربية تمثل إمكانية لأن تصبح مقصدا جذابا لرجال الأعمال الأمريكيين. ذلك أن منطقتنا، التي تضم 22 بلدا مجموع سكانها يزيد على 280 مليون نسمة، نصفهم دون الثامنة عشرة، تمثل بحرا واسعا للآمال بالنسبة للشركات الأمريكية.
ويمكن لهذا المنتدى أن يلعب دورا ملموسا في هذا الصدد، بإشراك مثل هذه الشركات ومساعدتها في التعرف على هذه الإمكانية الهائلة.
وعلاوة على ذلك، فنحن بحاجة لأن نعمل معا لتحسين مناخ الاستثمار في العالم العربي، لتمكينه من اجتذاب استثمارات أكبر وذات نوعية أفضل. إن قيام منطقة عربية للتجارة الحرة وتحقيق تكامل اقتصادي عربي سوف يؤدي إلى وجود قيمة مضافة هائلة للاستثمار في المنطقة.
كذلك لا يفوتني أن أذكر المبادرة التي أعلن عنها الرئيس بوش في مايو/أيار 2003 لإنشاء منطقة تجارة حرة أمريكية - شرق أوسطية بحلول عام 2013. وإنني آمل أن نكون قد حققنا السلام في الشرق الأوسط بحلول ذلك العام. إننا نرحب بهذه المبادرة، وإن كنا بحاجة إلى معرفة المزيد عنها حتى يمكننا أن نحولها إلى واقع.
وفي اعتقادي أننا نستطيع، من خلال هذا المنتدى، أن ننشئ مجلسا للعلاقات العربية الأمريكية يشارك فيها بالتساوي العرب البارزين، والأمريكيين، والأمريكيين من أصل عربي بحيث يركز هذا المجلس على تقوية العلاقات الأمريكية العربية. كما أن إنشاء "مركز بحث وتفكير عربي أمريكي" مقره الولايات المتحدة قد يكون مفيدا في تحقيق أهدافنا.
السيدات والسادة..
إن الإيمان بالتضامن الإنساني وبالوحدة في التنوع خطوة لا غنى عنها لخلق ثقافة مشتركة للتسامح والتفاهم.
فالتضامن يعزز التوازن على أساس من المشاركة لا الاغتراب، ومن ثم يساعد الثقافات على التفاعل سلميا وبحيوية.
إننا جميعا فخورون بتراثنا وتقاليدنا وعاداتنا.

إن أمريكا والعالم العربي أكثر ثراء وأكثر تنوعا وتعقيداً مما قد يتبادر إلى بعض الأذهان، أو مما يحاول البعض أن يجعلنا نعتقد، من خلال الأفكار السطحية.
إن التنوع هو ما يجعل العالم العربي أكثر ثراء، وأمريكا دليل بارز على ذلك.
إن على العرب والأمريكيين أن يتعرفوا على النطاق الواسع من القيم المشتركة التي تقرب بيننا لأننا بذلك سوف ندرك أن المسافة بيننا قصيرة، وأننا لسنا على هذا القدر من التباعد.
شكـرا لكـم،،،

 

طبع

بعثة جامعة الدول العربية لدى جمهورية الصين الشعبية copyright(c)2003 info@arableague-china.org