كلمة السفير
 الجامعة العربية
الحضارة العربية
 مطبوعات
المجتمع العربي
الجامعة العربية والصين
بعثة الجامعة العربية لدى الصين
الدول الأعضاء
  القدس  الشريف
  مطبوعات

 

 

 


 


إسرائيل أول من استعمل الحرب الجرثومية في فلسطين وأكبر خازن لها

الباحث الفلسطيني  سليمان أبو سته

 في الوقت الذي امتلأت فيه أعمدة الصحف وشاشات التليفزيون بأخبار المفتشين الذين كانوا يبحثون في العراق عن أسلحة الدمار الشامل داخل البيوت والمصانع المهملة والجامعات، يغض الغرب، وخصوصا أمريكا، الطرف عن أكبر مستودع عن أسلحة الدمار الشامل بأنواعها المختلفة من بيولوجية وكيماوية ونووية.

وعندما يواجه المسؤولون الغربيون هذه المفارقة، يكون الجواب إن إسرائيل لم تستعمل هذه الأسلحة مثل العراق. وهذا كذب صريح، فإسرائيل استعملت هذه الأسلحة حتى قبل أن تولد، واستعملتها عام 1948 بغرض إبادة اكبر عدد من الفلسطينيين، ومنعهم من العودة الى ديارهم.

وثائق جديدة – تسميم عكا

هذه جريمة كشف عنها النقاب أخيرا من واقع ملفات الصليب الأحمر في جنيف التي أصبحت متاحة للباحثين الآن. بعد سقوط حيفا في 22/4/1948، تدفق آلاف المهاجرين من حيفا الى عكا، وازدحمت بسكاها، وكانت لا تزال تحت الحماية البريطانية. وفي الأسبوع الأول من مايو، بدأت القوات الصهيونية بمحاصرة المدينة، ثم أطلقت عليها وابلا من قنابل المورتر، وكانت مياه الشرب تصل الى المدينة من قناة تأتى من القرى الشمالية قرب كابري التي تيعد 10 كم عن عكا، وتعرف في بعض مواقعها بقناة الباشا. (أنظر الخريطة). وتعترض طريق القناة الى عكا مستعمرات صهيونية، شرقي وغربي المزرعة التي تبعد حوالى 6 عن عكا. وفي نقطة ما عند القناة، حقن الصهاينة المياه بجرثومة التيفود، وسرعان ما انتشرت  حمى التيفود بين الأهالي والجنود البريطانيين.

ويقول تقرير الصليب الاحمر رقم(82/G3,GC/1/59G) انه يوم 6/5/1948 توجه مندوب الصليب الأحمر دوميرون من حيفا الى عكا بصحبة الدكتور ماكلين طبيب الصحة لتفقد أحوال اللاجئين بعد تفشي التيفود بينهم. وجاء في التقرير" إن الوضع خطير، وأن تفشي المرض شمل المدنيين ورجال الجيش والشرطة". وقال البريجادير بفردج مدير الخدمات الطبية العسكرية، إن هذه أول مرة يحدث فيها هذا الوباء في فلسطين( رغم حلات التروح والهلع بين السكان في أنحاء فلسطين). وقال التقرير إن هناك خوف أن ينتشر الوباء عن طريق الللاجئين المتجهين الى لبنان. وفي أول إحصاء يقول التقرير إن المصابين 70 مدني و55 بريطاني، وإن هذا هو الحد الادنى للإصابات لان كثيرا من السكان يخشون الإبلاغ عنها. وفي نفس اليوم عقد اجتماع  موسع في مستشفى الصليب الأحمر اللبنابي في عكا حضره البريجادين بفردج والكولونيل بونيت عن الجيش البريطاني، والدكتور ماكلين عن الخدمات الطبية المدنية ودي ميرون عن الصليب الاحمر والمستر كينيون قائم مقام القضاء، والسيد حكيم حاكم صلح عكا والأطباء دهان والأعرج من الصليب الأحمر اللبناني ومهندسي البلدية وآخرون وقرروا اللآتي:

لقد نخفض عدد سكان عكا من 25,000 الى 8,000 (بسبب النزوح)، ولقد اكتشفت 70 حالة من الإصابة بالتيفود. وقرر الحاضرون إن" الوباء محمول بالمياه" وإن هناك حالات كثيرة مختفية وأخرى متفرقة بين القرى. وتم التنظيم عملية تطعيم كل الأهالي ورش المدينة بالمطهرات وتعقيم المياه وتجهيز كل المستشفيات الخالية وأخرى مؤقتة لاستقبال الإصابات، وتحديد تنقل الأهالي. كما قرر الحاضرون عدم استعمال مياه القناة، واستعمال الآبار الارتوازية والمياه من المحطة الزراعية شمال عكا(انظر الخريطة) بدلا من ذلك.

ووافق الجنرال ستوكويل في حيفا على طلب الصليب الأحمر بارسال طائرة خاصة الى القدس لإحضار عقاقير طبية. وفي تقرير مؤرخ في 12/5، ذكر مندوب الصليب الأحمر إن الحالة ازدادت سوءا، وإن الكهرباء انقطعت عن المدينة، وأن غياب رئيس البلدية الذي سافر الى بيروت اضعف من السلطة المحلية، وانه رغم إلحاح الصليب الأحمر فان البلدية لم تتمكن من اصلاح قناة المياة" التي هي مصدر الوباء"، وإن نتيجة الوباء هي " منع الاهالي من العودة الى ديارهم". وفي تقرير بتاريخ13/5، يذكر المندوب عدم تمكن السلطات البلدية، خصوصا بغيات رئيس البلدية، من وضع حد لتروح الأهالي من المدينة، ويمدح الأطباء والممرضين التابعين للصليب الأحمر اللبناني بعملهم الإنساني الكبير، وقد جاء ليساعدهم الدكتور دباس من يافا والسيدة بهائي من حيفا.

وفي تقرير16/5، يشرح المندوب كيف اشتد هجوم الهاجاناه على المدينة بالمدافع وقذائف المورتر،وطافت سيارات إسرائيلية بها مكبرات الصوت تنادي" أمامكم الاستسلام أوالانتحار،  سنبيدكم الى آخر رجل"، مما أدى الى سقوطها بتوقيع بعض وجهاء المدينة على وثيقة الاستسلام. وبدأت حالة من الإرهاب الصهيوني تعم المدينة، فاعتقل كل شاب وشيخ واعتبر أسير حرب حتى لو كان مدنيا، وانتشرت عمليات النهب في المدينة وهامت النساء والأطفال بدون مأوى وطعام. وحقق الصليب الأحمر في صحة واقعة اغتصاب صبية أمام أهلها على يد عدد من جنود الهاجانا. وجاء في تقرير مفصل للفتنانت بيتيت مراقب الهدنة الذي زار المدينة بعد سقوطها إن عملية نهب منظمة المحتويات المنازل قام  بها اليهود لاستعمال المهاجرين الجدد ولمنع الأهالي من العودة. وقال إن اليهود اقترفوا مذبحة سقط فيها 100 مدني، خصوصا من سكان المدينة الجديدة الذين رفضوا النزوح الى المدينة القديمة حسب الأوامر الإسرائيلية، ويذكر قصة محمد فايز صوفي من هؤلاء الذين رفضوا الانتقال. لقد نجا محمد بأعجوبة ومات ثلاثة من زملائه بإرغامهم على شرب سم السيانيد ثم ألقيت جثثهم في البحر.

اما البريطانيون، الذين أتوا قبل 30 عاما لحماية الأهالي الفلسطينيين وتأهيلهم لحكم أنفسهم، فقد غادروا البلاد في جنح الظلام، ونقلوا كلال المصايين بالتيقود الى بورسعيد للاستشفاء. ولم يحققوا في كيفية الإصابة ومن وراءها، مع انهم يعلمون أو يشكون في من الفاعل. وقد جاء في الرواية الإسرائيلية إن الإصابة بالتيفود كانت نتيجة الازدحام وسوء الأحوال المعيشية. ولو كان هذا صحيحا، فلماذا لم يحدث في أماكن أخرى من فلسطين، وحدث فقط في عكا الأول مرة في فلسطين، كما قال الضابط البريطاني؟  ولماذا أصيب جنود الجيش البريطاني واحوالهم المعيشية افضل؟

عملية غزة

لقد تم لإسرائيل ما تريد من بث جرثومة التيفود، اذ أخليت المدينة وهجرها معظم أهلها، ولم يتمكنوا من العودة اليها، تماما كما كان الهدف الإسرائيلي من تلويث المياه. بعد هذا النجح، لجأت إسرائيل بعد أسنوع واحد الى تطبيق نفس الخطة في غزة. ففي يوم 22/5/1948 قبضت القوات المصرية على 2 يهود متلبسين بمحاولة تلويث مياه غزة. وهذا نص البرقية المرسلة من رئاسة القوات المصرية في غزة الى رئاسة الجيش المصرية في القاهرة:

" الساعة 15,20، 24 مايو: ضبطت مباحث القوات المصرية اثنين من اليهود هما دافيد هورين ودافيد مزراحي كانا يحومان حول قوات الجيش، وبالتحقيق معهما اتضح انهما مكلفان من القائد الصهيوني موشي بتسميم مصادر المياه التي يستقي معها الجيش( والأهالي) بمكروب التيفوس والدوسنتاريا، وقد ضبطت معهما زمزمية مقسومة من الداخل بجاجز، ومن القسم الأعلى مياه عادية صالحة للشرب والنصف الأسفل خلاصة الميكروب وبه فتحة سفلى خفية. وقد اعترفا بأنهما جزء من فريق مكون من عشرين شخصا، أرسلوا من رحوبوت، بمثل هذه المأمورية. وقد أعطى كل منهما اعترافا خطيا بيده باللغة العربية وبامضائه. وقد قمنا من جانبنا بالاجراءات الصحية اللازمة."

وجاء في مذاكرات الحرب لدافيد بن جريون النص الآتي في 27/5/1948:

" التقطنا برقية من غزة جاء فيها انهم اعتقلوا يهوديين يحملان جراثيم الملاريا واصدروا تعلمات بعدم شرب الماء". وهذا الوصف الموجز لا يفي بالغرض، وهذه صفة كتابات بن جريون الذي يعى المسؤولية التارخية فيما يكتب. لكن تفاصيل البرقية وخلفيتها جاءت بشكل أوسع في كتاب يروحام كوهين" في وضع النهار وظلام الليل"، تل أبيب، 1969 بالعبري ص 66-68.

وبعد التحقيق مع المجرمين، اعدما بعد ثلاثة شهور من القبض عليهما. وفي 22/7/1948، قدمت الهيئة العربية العليا الى هيئة الأمم المتحدة تقريرا مطولا من 13 صفحة، يتهم اليهود بالتخطيط والتنفيذ واقامة المختبرات لحرب الإبادة ضد العرب باستعمال الجراثيم والبكتريا" وهو سلاح غير انساني". كما يتهم التقرير إسرائيل بنشر الكوليرا في مصر في خريف 1947 وفي سوريا في فبراير 1948. وقد نشر هذا التقرير الصحافي الأمريكى توماس هاملتون، الذى حاز جوائز عدة لتحقيقاته الصحفية، في نيورك تايمز في 24/7/1948.

ما هي قصة الكوليرا في مصر وسوريا؟

 كتب البروفيسور سيث كاروس بحثا مطولا في أكثر من 220 صحفة عن" الإرهاب البيولوجي واستعملاته منذ عام 1900"، ونشره مركز الحد من انتشار الأسلحة في جامعة الدفاع الوطنية بواشنطن عام 2001. وجاء فيه تحت عنوان" الإرهابيون الصهاينة" ذكر واقعة تسميم مياه عكا وغزة وذكر أيضا أن راشيل كاتزمان أخت دافيد هورين، الذي اعتقل في غزة سألت الضابط المسؤول عن أخيها، لماذا سممتم المياه؟ قال لها"هذه هي الأسلحة المتوفرة لدينا".

كما ذكر كاروس أن الصحافة العالمية اهتمت بانتشار وباء الكوليرا في مصر، ونشرت التايمز اللندنية اول خبرا عن ذلك في 26/9/1947 ص 4. وما إن جاء شهر يناير 1948، حتى بلغت الوفيات 10,262 شخص من الوفاء. وانتشر الوباء أيضا ولكن على نطاق أصغر في سوريا في 21/12/1947. وقد ضربت السلطات السورية حصارا صحيا على القرى المتضررة ومنعت الدخول اليها إلا للطواقم الصحية والمياه والأغذية المعتمدة ولذلك توفي 18 شخصا فقط من اصل 44 اصابة.

وذكر البروفيسور كاروس أيضا أن هذه المعلومات عن مصر وسوريا قدمتها الهيئة العليا في تقريرها السابق ذكره. وذكرت جريدة الأورينت الصادرة في بيروت أن شرطة دمشق قد قبضت على عدد من الصهاينة الذين نشر الوباء في سوريا لإحباط خطة الإعداد لجيش الإنقاذ ليدخل فلسطين. كما نفت الحكومة البريطانية اتهام الإخوان المسلمين لهم بان الإنجليز سلموا لمصر أمصال تطعيم غير صالحة لتسميم المصريين.

خطة بن جوريون لاستعمال الأسلحة البيولوجية

  لم يتردد بن جوريون لحظة في استعمال الجراثيم والميكروبات ضد العرب حتى قبل انشاء الدولة وقصة ذلك يرويها بكل وضوح الدكتور افنر كوهين، باحث أول في مركز الدراسات الدولية والأمن في جامعة ماريلاند، وهو أيضا مؤلف كتاب"إسرائيل وقنبلة". وقد نشر بحثه هذا في مجلة استعراض الحد من الأسلحة  Non Proliferation Review The ، عدد الخريف 2001. ونظرا لخلفيته، فانه يبرر الكثير من أعمال إسرائيل ولكنه يورد كثيرا من التفاصيل الهامة، ومعظمها مستقى من مصادر علمية منشورة ولكنه اخذ إفادات بعض الضباط الذين استعملوا الأسلحة الجرثومية أو عملوا على تطويرها.

وبدأ بن جوريون قبل إعلان الدولة بجمع العلماء اليهود الألمان، وبعضهم عمل مع النازيين، ومن أجل إنشاء وحدة في اسرائيل للحرب الجرثومية. وكان هدفه واضحا، اذا كتب لأحد عملاء الوكالة اليهودية في أوربا يأمله بالبحث عن العلماء يهود لكي" تزيدوا قدرتنا على القتل الجماعي". كان مستعدا دائما لإبادة العرب للخلاص منهم والاستيلاء على أرضهم، فان لم يكن ذلك بالمذابح والطرد، فليكن الإبادة الجماعية.

احد هؤلاء العلماء اليهود هو افراهام ماركوس كلينبيرج الذي كان متخصصا في الأوبئة في الجيش الروسي، والثاني هو الألماني ايرنست دافيد بيرجمان، والثالث والرابع هما الأخوان اهارون وافرايم كاتاشالاسكي.

وحصل خلاف شديد بين حاييم وايزمان أول رئيس للدولة وبن جوريون. إذ أن وايزمان كان يرغب بشدة في إنشاء مؤسسة علمية مجردة، تم انشاءها بعد ذلك في رحوبوت باسم معهد وايزمان. بينما كان بن جوريون يخطط لإنشاء وحدة عملية لاستعمال الجراثيم في الحرب تحت لواء الهجامات – أو الجيش الاسرائيل.

وبينما اتجه معهد وايزمان الى البحوث العلمية الصرفة والتطبيقة، انشأ بن جوريون منطقة"همد" العلمية داخل الهاجانا. ومن هذه انبثقت منطقة"همج بيت"، التي ترأسها أولا الدكتور الكساندر كينان، المتخصص في الميكروبات، واختارت لها مقرا في أبو كبير بيافا، وغرضها الحرب الجرثومية، واحيطت بالسرية التامة.

وعندما احتل الصهاينة ارض فلسطين عام 1948 وهجروا أهل 530 مدينة وقرية، أصبحت لديهم أبنية كثيرة خالية، لذلك اختار رئيس الأركان يجال يادين مكانا منعزلا فيه مبنى فخم وبعيد نسبيا عن العمران، أصبح المقر الدائم للحرب الجرثومية، وتغير اسم المنطقة من" همد بيت" الى مركز إسرائيل للبحوث البيولوجية(IIBR) ولا يزال هناك الى اليوم. يقول افنر كوهين إن مقر المركز محاط بالسرية ولا يظهر على الخرائط أو الصور الجوية. وهذا غير صحيح.

الحرب الجرثومية

 وقد قامت الصحفية سارة ليبوفيتس- دار(وهي الآن تعمل في جريدة هاآرتس) باستجواب العالم افرايم كاتاشالاسكي( تغير اسمه الى كاتسير) والعالم الكساندركينان والضابط الكولونيل شلومو جور المسؤول عن وحدة الجراثيم، ونشرت المقابلة في جريدة حداشوت في 13/8/1993 صحيفة 6-10 بعنوان" الميكروبات في خدمة الدولة".

وفي المقابلة تهرب هؤلاء من الإجابات الصريحة، ولكنهم اعترفوا بأنهم وضعوا خططا لدراسة احتمالات الحرب الجرثومية. كما قابلت الضابط الذي اقترف جريدة تسميم عكا، فقال لها" لماذا تبحثون عن المشاكل التي حدثت قبل 45 عاما؟ ماذا تكسبون بنشر هذا؟ أنا لا اعلم بشيء". ثم قابلت الضابط الذي دبر خطة تسميم غزة، فقال لها بغضب" لن تحصلي على إجابات مني أو من غيري". أما الكولونيل شلومو جور فقال:" لقد سمعنا عن وباء التيفود في عكا وعملية غزة. كانت هناك إشاعات كثيرة ولا ندري إن كانت صحيحة أم لا". وكتبت الصحفية تعليقا على المقابلات:" كل ما عمل في تلك الأيام بدافع الإيمان والتفاني اصبحوا يتسترون عليه اليوم كالعار. أما الأحياء منهم، فمعظمهم فضل الصمت، وبعضهم ألغى المقابلة في آخر الحظة، وبعضهم اقفل الخط عندما عرفوا بموضوع السؤال، وأحدهم قال:" ليس كل ما عملناه في الماضي يستوجب المناقشة".

ويعمل الآن في المركز 300 موظف، منهم 120 من حاملي الدكتوراه في قطاعات مختلفة من علوم البيولوجي والكيمياء والرياضيات والهيئة والفيزياء، ويعاونهم حوالى 100 فني مؤهل تاهيلا عاليا.

وقد احتج سكان مدينة نس تسيونا القريبة بان المركز يشكل خطرا كبيرا على السكان في حال حدوث حادث، خصوصا وانه سبق وقوع حادث خطير، وكادت السلطات تأمر بإخلاء السكان، ورغم أن الموضوع يعالج بتكتم شديد، إلا أن مصادر في اللجنة العلمية بالكنيست أفادت بأنه خلال 15 عاما، قتل 3 وجرح 22 من العاملين في المركز.

ولا شك أن سكان نس تسيونا والمناطق العمرانية المكتظة شمالها حتى تل أبيب، سيتعرضون لخطر شديد يستوجب الإخلاء الكلي إذ ما تعرض المركز لحادث خطير، وانطلقت الجراثيم والميكروبات المخزونة فيه الى الفضاء، خصوصا إذا هبت الرياح الجنوبية الشرقية نحو الشمال.

ورغم الإنكار والمراوغة، فان تواتر الأنباء عن تطوير الأمراض والسموم في المركز، يكشف حقيقة العمل الإجرامي الذي يتم فيه. وبين التكتم والإعلان، تحرص إسرائيل على تسريب المعلومات المخيفة لردع العرب عن محاولة استعمال سلاح مماثل. وقبل العدوان الثلاثي على مصر بقليل طلب بن جوريون من العلماء أن" يضعوا خطا ثانية" للدفاع باستعمال سلاح" غير تقليدي ولكنه رخيص"، وطالبهم بالإسراع في تحضير هذا السلاح" كأنما كان يعد العدة لعمل ما"، ويحتاج الى بديل آخر لو فشل السلاح التقليدي. وقد اتضح فيما بعد أن هذا العمل المرتقب هو العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

وقد اعترف المؤرخ العسكري الدكتوراوي ميلشتاين بأنه" في كثير من القرى العربية التي جرى احتلالها سممت مصادر المياه فيها لمنع الاهالي من العودة الى ديارهم".

أما نعيم جلعادي فهو يهودي عراقي جنده الموساد واستقر في إسرائيل وخدمها بإخلاص إلا انه بعد فترة اكتشف العنصرية التي يمارسها الاشكناز على اليهود الشرقيين أمثاله، فهاجر الى أمريكا، وهناك صرح للصحفيين بتجاربه هناك( انظر مجلة لينك عدد إبريل- مايو 1998). وقال إن موشي ديان اصدر أوامره بطرد العرب من قراهم وتدمير منازلهم وتسميم الآبار بالتيفوس والدوسنتاريا، وقال أن الهاجانا وضعت البكتيريا في المياه التي تغذي عكا من نبع قرب قرية كابري ويمر مجرى المياه قرب أحد الكيبوتزتزات. ويذكر ايضا حادث تسميم مياه غزة، وان أحد الضباط قال:" ليس لدينا عواطف في الحرب".

التحقيق الهولندي

في أكتوبر 1992 سقطت طائرة شحن تابعة لشركة العال على ضاحية في امستردام وسببت وفاة 47 شخص ومئات من الإصابات بالأمراض الغامضة مثل مشاكل في التنفس، وبثور على الجلد، والاضطرابات العصبية والسرطان. واتضح أن الطائرة البوينج تحمل 50 جالون من مادة DMMP  التي يصنع منها غاز الأعصاب سارين، وهذه الحمولة كانت مرسلة من شركة سولكاترونيك في موريسيفيل- بنسلفانيا الى مركز البحوث البيولوجية في إسرائيل.

وتكتمت حكومة هولندا على الأمر بالاتفاق مع إسرائيل، مضحية بذلك بسلامة مواطنيها. لكن المحرر العلمي في صحيفة NRC-HANDELSBLAD اليومية التي تخطى باحترام الرأي الليبرالي، واسمه كاريل كنيب Karel Knip، وقرر التحقيق في هذا الأمر، ونشر في 27 نوفمبر 1999 أكبر واهم تقرير عن حرب إسرائيل الجرثومية مستعينا في بحثه بالإنترنت وبأساتذة مختصين في الأسلحة الكيماوية والجرثومية من جامعات استوكهولم وسسكس وبرادفورد.

بدأ كنيب باستعراض جميع أوراق البحث المنشورة في العالم الصادرة من مركز البحوث البيولوجية منذ عام1950، ومن كلية الطب بجامعة تل أبيب ومثلها في الجامعة العبرية، لأنه اكتشف أن معظم الباحثين نعملون بالتبادل في المركز والجامعة. رصد كنيب أسماء 140 عالما، ولكنه وجد انه من الصعب تتبعهم لأنهم يتنقلون داخل إسرائيل وخارجها، وخصوصا في مراكز بحوث الأسلحة الكيماوية والبيولوجية في الولايات المتحدة مثل معهد والتر ريد العسكري وجامعة القوات المسلحة وجامعة اوتاه ومركز البحوث البيولوجية والكيماوية في ادج وود. ووجد ان التعاون العلمي وثيق أيضا مع هولندا وألمانيا وبريطانيا وكندا. ومن هذا كله استخلص قائمة بالموضوعات التي يطورها المركز الإسرائيلي مثل الأمراض والمواد السامة والمواد التي تفقد القدرة والإدارة مثل الشلل والتشنج والهلوسة وعدم القدرة على التفكير، وذلك في كل فترة من العقود الخمسة منذ 1948(انظر الجدول باللغة الإنجليزية).

في الخمسينات كان اهتمام إسرائيل محصورا في تطوير أمراض التيفود والطاعون ويوجه عام الفيروسات والبكتيريا التي يمكن نشرها عن طريق الجرذان والحشرات، وتطور الأمر الى أمراض الحيوانات وخصوصا الدواجن( التي تؤكل) وشمل البحث أيضا مرض الجداري وأمراض الطفيليات، وهذه كلها كائنات دقيقة ولكنها قوية تصلح لان تكون سلاحا.

وتوسع العمل فيما بعد الستينات الى المواد السامة، حيث أن درجة سمها أعلى بكثير من الفيروسات، ويصنع منها عازات الأعصاب مثل الطابون والسومان والسارين وفي اكس(VX) واكثر من 15 مادة سامة أخرى، وذلك كله بالتعاون مع وكالة الاستخبارات الأمريكية(سي أي أيه) للاستعمال في الاغتيالات.

وفي عام 1997 حاولت إسرائيل اغتيال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي في حماس في عملن، غالبا باستعمال السم المعروف ب(SEB)(انظر الجدول). وقد غضب الملك حسين غضبا شديدا لاعتداء إسرائيل على سيادة الأردن والاتفاقيات المعقودة في مثل هذه الأحوال، وقد اضطرت إسرائيل الى تسليم الأردن الترياق الذي يلغي تأثير هذا السم.

على أن احدث التطورات في البحوث الإسرائيلية هي في ميدان المواد التي تسبب الشلل والتشنج والهلوسة والمغص وعدم القدرة على التحكم في الحركة والتفكير. وقد فحص المركز الإسرائيلي، في برنامج التعاومع الولايات المتحدة، مئات من هذه المواد، ولكن بقى استعمالها محدودا لان لا يمكن الوثوق بتأثيرها. وهناك تقارير بأنها استعملت ضد الجيش الصربي، إلا أنها بدون شك استعملت في خان يونس ضد المتظاهرين في انتفاضة الأقصى. ولا يزال الكثيرون يتذكرون صورة المصابين في المستشفيات على شاشات التلفزيون، وهم يتلوون من الألم  ويتشنجون ويتحركون لا إراديا، وقد طلبت السلطة الفلسطينية آنذاك استقدام بعثة دولية لتقصي ماهية المادة المسببة، ولكن طوي الأمر. وللتعمية على هذه البحوث، تشجع إسرائيل علمائها على نشر أبحاث علمية بريئة لكي تحافظ على مكانة المركز العلمية، وإمكان التعاون مع مراكز مشابهة والدعوة الى المؤتمرات، لذلك يطلب من كل عالم نشر من بحث واحد الى ثلاثة كل سنة في موضوعات بريئة. كذلك يتولى كل واحد من هؤلاء العلماء منصبا في جامعة أخرى تقوم بأبحاث مساندة خصوصا كليات الطب قسم الميكروبيولوجي في كل من الجامعة العبرية وجامعة تل أبيب، وقد أصدرت الجامعة العبرية أبحاثا كثيرة عن غاز الخردل، وأصدرت جامعة تل أبيب أبحاثا كثيرة عن الجمرة الخبيثة(انتراكس).

ويدعو كنيب في بحثه الشامل جميع الدول الى تعقب أعمال المركز الإسرائيلي، الذي يرأسه الدكتور افيجدور شافرمان، وجميع علماء المركز، نظرا لخطورة الأعمال التي يقومون بها. ويقوم بهذا التعقب عادة لأعمال مراكز البحوث البيولوجية في العالم، مركز المخابرات الطبية التابع للقوات المسلحة الأمريكية والأساتذة كيث ياماماتو في جامعة كاليفورنيا، وجوناثان كنج في معهد ماساتسوتش الفني في بوسطن، ولكن هذا النوع من الرقابة لا يطبق على إسرائيل، خصوصا إذ كانت الرقابة أمريكية. كما أن إسرائيل لم توقع أو تصادق على ميثاق الأسلحة البيولوجية لعام 1972.

الخلاصة

  إن تاريخ إسرائيل ملىء بالجرائم، وأخبثها استعمال أسلحة الإبادة الجماعية، وهو قامت به إسرائيل قبل إنشائها حتى اليوم. وإذا استعرضنا تاريخ الخمسين سنة الماضية فيما يخص هذه الأسلحة، نجدانه، باستثناء الحالات الهامة التي سبق شرحها، استعملت إسرائيل كثيرا من هذه الأسلحة، بصورة لا تثير ضجة كبيرة محليا أو عالميا، وأمثلة ذلك استعمالها في المظاهرات أو ضد الطلاب اوعند الهجوم على حي سكاني أو مدرسة أو بتلويث مصادر المياه في الضفة خلال الانتفاضة أو استعمالها المبيدات ضد المزروعات التي تخص أهالي عين البيضا(1968)، وعقربا(1972) ومجدل بني فاضل(1978) ولبنان(1982) والنقب(2002) أو في تجارب المواد الفتاكة ضد المعتقلين العرب داخل المركز الإسرائيلي، كما صرح عميل الموساد المنشق فكتور اوستروفسكي.

لكن إسرائيل تملك اليوم اكبر مخزون من الأسلحة البيولوجية والكيماوية في أوربا وآسيا، مما يمثل خطرا داهما على المنطقة، وإذا أضفنا الى ذلك أسلحتها النووية، فان العجب كل العجب أن يترك كل ذلك ويطارد كل عالم عربي حتى في بيته. إن دول العالم مطالبة بأن تسعى سعيا حثيثا مخلصا في كل المنابر  لجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل دون استثناء إسرائيل.

 

طبع

بعثة جامعة الدول العربية لدى جمهورية الصين الشعبية copyright(c)2003 info@arableague-china.org