كلمة السفير
 الجامعة العربية
الحضارة العربية
 مطبوعات
المجتمع العربي
الجامعة العربية والصين
بعثة الجامعة العربية لدى الصين
الدول الأعضاء
  القدس  الشريف
  مطبوعات

 

 

 


التمر في الثقافة العربية

 

تشو لي تساى

استاذ جامعة اللغات ببكين

 

لا تخلو دولة عربية، تقريبا، من النخيل، ذلك الشجر الذي يحتل ثمره؛ التمر، مكانة هامة في حياة العرب، ومن هنا فإن العرب يعتبرون النخيل شجرة العرب. جزوعه ضخمة عالية، وعمره مديد، وزراعته يسيرة، وله قدرة عالية على تحمل ظروف البيئة القاسية. والنخيل نافع يمكن الاستفادة من كل جزء منه، فثمره طعام، وجذره وقود ومواد بناء، وأليافه وخوصه وجريده كلها مفيدة تستخدم في صنع أدوات مختلفة في الحياة اليومية. وقد استخدم العرب سعف النخيل في الكتابة ومن هنا فإن كلمة "جريدة " بمعني الصحيفة اليوم مأخوذة من جريد النخيل.

وللتمر قيمة غذائية عالية، فيعتبر من الأطعمة الرئيسية لدى العرب ومن لزوميات الفطور واكرام الضيف، ولذلك اهتم أسلاف العرب بالنخيل منذ القدم. ونجد رسوما للنخيل وأوراقه منحوتة على جدران وأعمدة المعابد في مصر، التي تعود الى العصور الفرعونية. وكذلك فان البابليين القدماء كانوا يزينون بوابات المدن وممرات المعابد وعرش الملك بالنخيل وجريده وسعفه، ويعبدون إلهة النخيل، حيث يضعون على كتفيها جريده وسعفه الكبير المتدلي بحيث تبدو ذات جناحين. وقد ورد ذكر 70 نوعا وأكثر من النخيل وأماكن انتاجه في السجلات التاريخية بالكتابة المسمارية. ومما يثير الدهشة أن شريعة حمورابي تضمنت بندا خاصا بحماية أشجار النخيل، فينص مثلا على إنزال غرامة نصف قطعة عملة فضية بمن يقطع شجرة نخيل، وكان ذلك يعتبر غرامة كبيرة في ذلك الوقت. ونفس الشيء نجده في الكتب المقدسة لليهودية والمسيحية، ففي الشريعة اليهودية ورد ذكر النخيل أكثر من مرة. وقيل إن عيسى عليه السلام كان يحمل بيديه فسيلة نخيل كعلامة سلام حين دخل القدس. وفي عصر الجاهلية كان العرب يصنعون من التمر تماثيل لآلهة يسجدون لها.

وبعد ظهور الإسلام ازداد الناس حبا ومدحا للنخيل، فورد ذكر التمر والنخيل في 21 آية في القرآن الكريم، وفي الجنة التي وصفها القرآن الكريم يحتل التمر مكانة هامة. كما نجد في التعاليم الإسلامية ما يقضي بأسلوب شراء وبيع التمر وأكله. وقد مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم النخيل مرات، أكد فيها فائدة التمر لجسم الإنسان، حيث قال ان المرء ان أكل سبع تمرات كل يوم صباحا لا تصيبه السموم طول اليوم. وقال لزوجته: يا عائشة، بيت ليس فيه تمر أهله جياع. وقد عاش النبي شهرين بالاعتماد على " الاسودين"—التمر والماء. وفي التاريخ العربي كثير من الأساطير حول التمر والنخيل، كما نظم الشعراء والأدباء العرب في العصور الغابرة عددا كبيرا من القصائد والنثر للتغني بالنخيل والتمر، فشبهوا النخيل مثلا بأنه " عروس الصحراء"، حتى تشكل ما يسمى بمدرسة " أدب النخيل". واليوم نجد أيضا أشكالا للنخيل على عملات بعض الدول العربية وشعارها الوطني (مثل السعودية) بالإضافة الى أن بعضها أقامت "عيد النخيل".

وحقيقة الأمر أن التمر ليس نوعا من الأطعمة فقط لدى العرب، بل علامة سعادة. وخاصة التمر الذي تنتجه منطقة الحجاز السعودية وهو غالي الثمن، بل يحمل نوعا ما من القداسة، اذ ان المنطقة هي مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فكل الذي يحج مكة يعود ومعه التمر المجفف المحلي الإنتاج من بين هداياه الأخرى. ويعتاد الناس ان يثقبوا التمرات من هذا النوع ويربطونها بحبل، ويعلقونها على أعناق الأطفال متبركين بها. وهناك أيضا مثل قديم يقول: من أكل التمر سلم جسمه وعقله. وتضم الكتب الطبية العربية القديمة بعض الوصفات السرية باستخدام التمر في العلاج. والحكومة السعودية تختار أفضل أنواع التمر كل السنة لتوزعها مجانا على المسلمين في أنحاء العالم, أما دولة البحرين التي لا تتعدى مساحتها 700 كيلومتر مربع وتعداد سكانها 600 ألف نسمة فبها مليون نخلة.

الواضح ان مدح الناس لشيء أو نقدهم له يتوقف على مكانة هذا الشيء وما يلعبه من دور في حياتهم اليومية. فأهمية النخيل في حياة العرب أدت الى حبهم الخاص له، فيربطونه بكثير من الأخلاق السامية مثل العظمة والاستقامة والثبات والكرامة والعطاءوالتي تشتمل تقريبا على كل ما يرمز له الصنوبر والخيزران والميهوا في اللغة الصينية. هناك أشعار وأمثال عربية كثيرة فيها تشبيه بالنخيل، مثل " كن كالنخل عن الاحقاد مرتفعا ترمي بصخر فيلقى أطيب ثمر"، ومثل " ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل"، و" أكرم من العذيق المرجب" و" خير المتل سكة مأبورة " و" أرض من العشب بالخوصة"

وبالإضافة الى ما ذكر سالفا فان العرب دائما ما يشبهون الأشياء اليومية والحقائق بالتمر وتشبيهاتهم بالتمر متنوعة، مثل:

أولا، تشبيه الأطعمة الطيبة اللذيذة، مثل:" أطيب مضغة صيحانية مصلبة" و" السودان بالتمر يصطادون"

ثانيا، تشبيه الأشياء الجميلة، مثل:" كل خاطب على لسانه تمرة" و" ما كل بيضاء شحمة وما كل سوداء تمرة"( يقابله مثل صيني يقول: ليس كل شيء لامع من الذهب)، و" الغراب أعرف بالتمر"( تشبيه للماهر في التمييز بين الطيب والخبيث) و" أصاب تمرة الغراب"( بمعني الحصول على الشيء المرجو)

ثالثا، تشبيه الأشياء الدقيقة، مثل:" التمرة الى التمرة تمر" و" لا يملك شروى نقير" ( تشبيه للفقير المعدم).

رابعا، تشبيه الأشياء الطيبة والسيئة، الخير والشر بالتمر والجمرة في الأدب العربي، ذلك أن التمر محبوب لدى العرب، أما الجمرة فيكرهها البدو الذين يعيشون في الصحراء الحارة ويستفيدون منها فقط في طهى الأطعمة، كما ان نطق الكلمتين متجانس، مثل:" اعط أخاك تمرة، فان أبي، فجمرة "( يقابله مثل صيني يقول "لا يُسقى الخمر احتراما، بل معاقبة" و " لا بيده جمرة ولا بلسانه تمرة " (تشبيه للذي لمن لا يملك شيئا) و" لو قلت تمرة لقال جمرة" (يقابله مثل صيني يقول: للفجل محبوه وللكرنب محبوه)

خامسا، أن بعض الأمثال العربية التي تستخدم فيها التشبيهات بالتمر تشتمل على محتوى ثقافي محلي مثل: " أرخص من التمرة بالبصرة" (في إشارة إلى أن البصرة غنية بالتمر) و" يحمل التمر الى البصرة" و" كتاجر التمر الى بغداد" (يعني المثلان الأخيران العمل الذي لا داعي له).

 

 

بعثة جامعة الدول العربية لدى جمهورية الصين الشعبية copyright(c)2003 info@arableague-china.org