هل صراع
الحضارات ضرورة
تاريخية حتمية؟!
نجيب
جباري- مجلة
"الكويت"
لم تثر أطروحة
من الأطروحات
ولا مفهوم من
المفاهيم ما
أثارته أطروحة
صراع الحضارات
من لغط واسع
وجدال حاد بين
الباحثين والمفكرين
والسياسيين
على المستوى
العالمي والذين
عالجوا هذه
الإشكالية
كل من موقعه
وإهتمامه وانشغاله
الى درجة أصبحت
معها من القضايا
الساخنة التي
تلتهب بها ساحة
الفكر الإنساني.
ورغبة منا في
الخوض في هذا
الموضوع نتقدم
الى القارئ
الكريم يهذه
الورقة التي
تضمنها وجهة
نظرنا حول هذا
الموضوع الحساس
الذي بات الشغل
الشاغل لكل
راصد للأحداث
والتطورات
التي يعرفها
العالم، المنفعل
لما يجري حوله
لعلها تساهم
في إغناء هذه
النقاشات وإثرائها.
كرونولوجيا
الأحداث
منذ البابا
أريان الثاني
من جنوب فرنسا
سنة 1090 م الى أول
حملة صليبية
ضد الإسلام
والمسلمين
وحتى الآن،
لا تزال عقدة
الحرب الصليبية
تسيطر على أفكار
الغربيين وتحكم
مشاعرهم ومواقفهم
تجاه الإسلام
والمسلمين،
فمنذ القديم
والعلاقة القائمة
بين أوروبا
" الغرب "والعرب
" الشرق" تنطوي
على " قدر كبير
من الكثافة
والتوتر والتعقيد.
ومن هنا فإنها
تنهض على جدلية
الجذب والتنافر
واستهواء الضد
لنقيضه ورغبته
في الاستحواذ
عليه والصراع
معه وأحيانا
تدميره".
وقد وصلت هذه
العلاقات الى
قمة الصراع
والعدوانية
بعد انتهاء
الحرب الباردة
وانهيار الاتحاد
السوفياتي
وانحلال حلف
وارسو وتفكك
الكتلة الاشتراكية
وحرب الخليج
الثانية، وهي
الأحداث التي
فسحت المجال
للولايات المتحدة
الأمريكية
لتحمل " مشعل"
النظام العالمي
الجديد القائم
على أحادية
القطب المتمثل
في القوة والفكر
الأميركيين،
وهو ما حداتها
الى فرض منظومة
قيم خاصة ونمط
حياة على العالم
اجمع، ومن سولت
له نفسه العصيان
أو التمرد على
هذا النظام
فإنه يتهم حينذاك
بالدعوة الى
الصراع أو الارهاب،
والويل كل الويل
له إذا حاول
الخروج عن بيت
الطاعة والولاء،
فسيكون مصيره
المقاطعة والحصار
والحرمان وإن
اقتضى الأمر
التأديب بقوة
السلام.
وقد كشفت أحداث
الحادي عشر
من أيلول 2001 وما
تولد عنها من
ردود الفعل
الغاضبة والعدوانية
تجاه المسلمين
والعرب تجسدت
مباشرة في تصريح
الرئيس الأميركي
جورج بوش الذي
اعتبر فيه الحرب
التي تخوضها
أميركا ومعها
الغرب كله ضد
ما تسميه الإرهاب،
هي حرب صليبية
جديدة، وكذلك
إعلان رئيس
الوزراء اليطالي"
برلسكوني"
اللامسؤول
عن دونية الحضارة
الإسلامية
وانحطاطها
لقد كشف كل هذا
عن العداء المضمر
تجاه الإسلام
والمسلمين،
الذي في الواقع
لم يكن وليد
الحاضر، بل
كانت له جذور
موغلة في القدم،
أقربها ما عبر
عنه الكاتب
والمفكر" برنارج
لويس" المعروف
بعدائه للإسلام
في محاضرة ألقاها
في نهاية عام
1990 في موضوع "
الأصولية الإسلامية"
وهي المحاضرة
التي تنبأ فيها
تحتمية الصراع
بين الإسلام
والغرب زاعما
بأن الإسلام
يرفض الآخرين
ويكرس الاختلاف
ويدعو الى الاستبداد.
وذهب نفس المذهب
في مقالة له
بعنوان " جذور
السعار الإسلامية"
وفي سنة 1991 أصدر
الفرنسي " جان
كلود بارو"
كتابا تقطر
حقدا على الإسلام
عموما والعالم
الحديث خصوصا"
وآخر من ركب
هذه الموجة
الكاتبة الإيطالية
" أوريانا فلاتشي"
صاحبة كتاب
" السعار والكبرياء"
الذي لم تخف
فيه صاحبته
حقدها وكراهيتها
للمسلمين ولدينهم،
والقائمة طويلة.
فى ظل هذا السياق
التاريخي ولدت
أطروحة صدام
الحضارات التي
هي في الأصل
مقولة الخبير
الاستراتيجيي
الأميركي "صمويل
هنتنغتون"
أستاذ العلوم
السياسية بجامعة
هارفارد، وهي
واحدة من أنشط
المقولات والأفكار
وأسرعها تداولا
وأكثرها نقدا
وجدلا وتنبني
هذه النظرية
على تصنيف غريب
للحضارات المتصادمة
والمتصارعة،
مستدلا في ذلك
ببعض بؤر التوتر
سماها حدودا
دموية تشكل
نقط التماس
والصدام الدائم
بين الحضارة
الإسلامية
والحضارات
الأخرى، كالحضارة
الغربية والحضارة
الهندوكية… ويعتقد
" هنتنغتون"
أن أهم عوامل
الصراع الحضاري
على الإطلاق
هو عامل الدين
بالإضافة الى
التاريخ واللغة
والتقاليد،
وقد استدل على
هذا الطرح ببعض
الصراعات القائمة
بين البوسنة
وكرواتيا من
جهة وبين البوسنة
وصربيا، وبين
تركيا وكل من
اليونان وبلغاريا
والصراع الهندي
الباكستاني
الخ.
يقول الخبير
الأميركي في
معرض رده على
الانتقادات
الموجهة اليه"
لقد تم انتقادي
بشدة لأنني
تحدثت في مقالي
حول صدام الحضارات
( يقصد المقال
الذي نشره في
المجلة الأميركية
FOREIGN AFFAIRS في صيف 1992) عن
الحدود الدموية
للإسلام وبالرغم
من ذلك فإن هذه
العبارة تعبر
عن واقع موجود
بالفعل في البوسنة
والشيشان وكشمير
والهند وفلسطين
والسودان،
إن العنف الذي
يجتاح هذه البلدان
سيكون في كل
مرة بين المسلمين
وشعوب ذات ديانات
أخرى ومشاركة
المسلمين في
هذه النزاعات
في أكثر ارتفاعا
من أية حضارة
أخرى، والإحصائيات
هنا تؤكد ذلك.
ولكن الواقع
يكذب كل هذه
الافتراضات
إن العدوان
في الحقيقة
هو في الاتجاه
الآخر، في اتجاه
العالم الإسلامي،
فمنذ 1798 حتى عام
1953م تعرض العالم
الإسلامي الى
الكثير من الهجمات
العدوانية
من طرف الغرب
أشهرها الحروب
الصليبية التي
أشعلها الباباوات
وطلائع الاستعمار
الغربي وحملة
نابليون على
مصر والعدوان
الثلاثي عليها
سنة 1956م، وقد
تضاعفت هذه
الهجومات بعد
حرت الخليج
الثانية بشكل
ملفت وخطير
ينذر بحرب حضارية
حقيقة لا أحد
يتوقع عواقبها
ونتائجها المدمرة.
لقد نتجت مقولة
" هنتنغوتون"
حول العالم
الإسلامي وعلاقته
بالحضارى الغربية
وأطروحة " فرانسوا
فوكوياما"
حول نهاية التاريخ.
عن شعور طاغ
بالتفوق وإحساس
بالعظمة وبالقيمة
الاستثنائية
لمكانة الغرب
الحضارية والإنسانية
تؤكد أن الغرب
ما زال يريد
إلزام الآخرين
وفرض أنموذجه
الحضاري القائم
على الحداثة
والعلمانية
والعولمة وترسيخه
بالمنطقة العربية
والإسلامية
طوعا أو قهرا.
إن استقراء
أحداث التاريخ
الماضي توضح
لنا طبيعة العلاقة
بين الحضارة
الإسلامية
والحضارة الغربية
وتعكس بجلاء
" أن لغة الصراع
ومنطقه كانت
هي اللغة السائدة
في التعامل
بين الحضارتين
منذ ظهور الإسلام
وخروجه من الجزيرة
العربية لتبليغ
الرسالة الإسلامية
باعتبار أن
الإسلام رسالة
عالمية" وأن
ما يحدث اليوم
في رأيي هو تتويج
للمحاولات
التي بدأتها
القوى الغربية
في القرن الماضي،
ولا يعدو الأمر
الآن أن يكون
سعيا أميركيا
لفرض منظومة
قيم خاصة ونمط
حياة على العالم
أجمع دون فسح
المجال لأي
نوع من أنواع
التفاعل الحضاري
والثقافي والفكري
والاقتصادي
بمبررات واهية
تدعي أن صراعات
العالم المستقبلية
سيتحكم فيها
العامل الحضاري.
واذا كان هذا
هو التفكير
الغربي\ الأميركي
وهذه هي ملامحه
وأشكاله ومظاهره
واستراتيجيته
فإن صدامه مع
الآخرين سيكون
حتميا، ليس
بالتأكيد أن
يكون الإسلام
والمسلمين
بل الإنسانية
جمعاء، لأنه
في الواقع صراع
بين الخير والشر،
وسيتحد العالم
أجمع لمقاومة
محور الشر ومحوه
من الوجود بعون
الله وقدرته
إن شاء الله.
 |
موقع
الحضارة الإسلامية
من أطروحة صراع
الحضارات
إن الذي يهم
الباحث والمفكر
الإسلامي من
نظرية الصراع
الحضاري كما
بلورتها مقولات
" صمويل هنتنغتون"
هو موقع الحضارة
الإسلامية
ضمن نسيج هذه
الأطروحة التي
تروم بالأساس
تعيين الإسلام
كعدواستراتيجي
جديد، بل قديم
جديد، خصوصا
بعد إنهيار
المعسكر الشيوعي،
لقد وضع " هنتنغتون"
نصب عينيه بعض
بؤر التوتر
والعنف التي
تحدث هنا وهناك
وفي بعض مناطق
العالم الإسلامي
المحدودة،
وحاكم الحضارة
الإسلامية
كلها على ضوئها،
ناسيا أو متناسيا
تنامي الأصولية
المسيحية في
الدول الغربية
نفسها، واليهودية
في إسرائيل،
والهندوسية
في الهند واتساع
نشاطها ودورها
في التأثير
على المشهد
السياسي لتلك
الدول.
إن ما يجب الحديث
عنه فعلا هو
موقع كل حضارة
من هذه الصراعات،
فإذا كانت المواجهات
بين المسلمين
وأمم أخرى فيجب
أن نتساءل من
المعتدي ومن
الضحية؟ من
المدعي ومن
المدعى عليه؟
ومن المهاجم
ومن المدافع؟
سكت " هنتنغتون"
عن كل هذه التساؤلات
ولم يعط أجوبة
شافية.
إن أكبر دليل
على أصالة الحضارة
الإسلامية
وتسامحها وسموها
"هو أن العرب
والمسلمين
لم يضعوا في
أي زمن من الأزمان
صوب أهدافهم
القضاء على
خصوصيات الحضارة
الغربية وهويتها
الحضارية"،
وإن المتتبع
لأحداث التاريخ
الإسلامي،
ولحياة المسلمين
والدارسين
للإسلام لم
ولن يقر الصراع
ويرفض الصدام
والإكراه"
لا إكراه في
الدين قد تبين
الرشد من الغي"(
البقرة آية
256) ويدعو الى
العدل والإحسان
والمساواة
والتسامح والتعاون
بين شائر البشر
والشعوب " يأيها
الناس إنا خلقناكم
من ذكر وأنثى
وجعلناكم شعوبا
وقبائل لتعارفوا
إن أكرمكم عند
الله أتقاكم،
إن الله عليم
خبير"( الحجرات
آية 13) ويقول
الرسول صلى
الله عليه وسلم:"
لا فضل لعربي
على عحمي ولا
لعجمي على عربي
إلا بالتقوى".
لا يتعلق الأمر
إذا بصراع الحضارات
أو صدامها،
إنما هو " عدوان
على الحضارات
بالتحديد عدوان
على حضارة الإسلام
وقيمها ومثلها،
عدوان على ماضي
نفوس المسلمين
وعقولهم من
تمسك بالقرآن
العظيم ومن
انتماء لعقيدة
التوحيد التي
حاربت الوثنية
والشرك والظلم
منذ ظهورها
في مكة وما زالت
تحارب الوثنية
الجديدة والشرك
المعاصر والظلم
العنصري الرافض
للمساواة بين
بني البشر".
إن الصراع الذي
يتكلمون عنه
ليس حتما بين
حضارة وحضارة،
إنما هو في الواقع
صدام بين الخير
والشر، بين
الكفر والتوحيد،
صدام بين النور
والظلام، ين
المنهج الرباني
والكفرالشيطاني.
والحقيقة التي
لا ينكرها أحد
هو أن الغرب،
بزعامة أميركا
هو الذي فرض
صراع الحضارات
وصنع أسبابه
ومسبباته،
وليس المسلمون
أو العرب، وإنما
هو من تدبير
العقلية الغربية
المتعالية،
وأن الحضارة
الإسلامية
قائمة ودائمة
أبد الدهر لقوله
تعالى:" وعد
الله الذين
آمنوا منكم
وعملوا الصالحات
ليستخلفنهم
في الأرض كما
استخلف الذين
من قبلهم وليمكنن
لهم دينهم الذي
ارتضى لهم وليبدلنهم
من بعد خوفهم
أمنا"( النور
آية 55).
في نقد أطروحة
صراع الحضارات
أول نقطة يتوجه
إليها معظم
الباحثين والمفكرين
العرب والغربيين
أنفسهم بالنقد،
بالإضافة الى
المآخذ التي
أشرنا اليها
آنفا، هو ذلك
التصنيف الغريب
الذي قام به
" هنتنغتون"
للحضارات،
عندما ميز بين
الحضارة الأميركية
واللاتينية
والحضارة الغربية
اللتين لهما
في الأصل نفس
المواصفات
والمميزات
والجذور، كما
أن الاعتماد
على عنصر الدين
واعتباره العامل
الأول والأوحد
في الصراع الحضاري
أمر جسيم واستقراء
خاطئ للأوضاع
ومعرفة سطحية
بالإسلام،
كما أن القول
بصراع أو صدام
الحضارات أمر
مجانب للحقيقة
يفتقر الى دليل
منطقي وملموس،
إذ المعطيات
التاريخية
المتوفرة تثبت
العكس.
لا شك في كون
" هنتنغتون"
أراد بالصراع
ميكانزمات
المنافسة والامتصاص
والتكيف التي
تحدث داخل البناء
الاجتماعي
بنظمه وتنظيماته
المختلفة،
ولا علاقة لكل
هذا بالصراع،
وكل حضارة من
الحضارات تحتاج
الى الاتصال
والتفاعل والتأثر
بالحضارات
الأخرى، وهذا
معلم من معالم
التاريخ الحضاري
الإنساني يعود
عليها بالخير
والفائدة.
إن هذا الفهم
الخاطئ الذي
وقع فيه الخبير
الأميركي يعزو
في رأيي الى
عدم تمثل واستيعاب
لمفهومي الثقافة
والحضارة،
والفرق معروف
بين المفهومين،
فضلا عن أن الرجل
عند تصنيفه
للحضارات لم
يأخذ بنفس المعيار
عندما تكلم
عن الحضارة
الإسلامية،
لقد نسب الحضارة
الغربية الى
الغرب وهو مجال
جغرافي، ونسب
الحضارة اليونانية
والحضارة الهندية
الى البلد،
والحضارة الإفريقية
الى القارة
والحضارة الكنفشوسية
الى شخص وهو
فيلسوف الصين
كونفوشيوس،
والحضارة الإسلامية
إلى دين، وهذا
لعمري خلل واضح
وتخبط جلي وإخلال
بالمنهجية
العلمية لم
نجد له مبررا
أو تفسيرا منطقيا
خصوصا وأنه
صادر من خبير
ومفكر له وزنه
الخاص في المنظومة
الفكرية العالمية،
يذهب الدكتور
سعيد الصديقي
أبعد من ذلك
عندما يرى بأنه
مما يثير الاستغراب
هو إهمال " هنتنغتون"
للطابع الحضاري
والديني للصراع
العربي الإسرائيلي"
فهو يريد تضليل
قرائه عندما
يدرج الثقافة
اليهودية ضمن
ما يصطلح عليه
بالمنظومة
الثقافية الشرقية
التي ينتمي
اليها الإسلام
أيضا بينما
الحقيقة أن
الثقافة اليهودية
قطعت صلتها
بأصولها الشرقية
في نهاية القرن
19 مع ظهور المشروع
الصهيوني المتمثل
في بناء دولة
إسرائيل الكبرى،
ومنذ ذلك التاريخ
انخرطت في المشروع
الاستعماري
الإمبريالي
الغربي، وسيتم
بعد ذلك الترويج
لمفهوم الحضارة
المسيحية اليهودية
عبر مئات الندوات
والمؤلفات
وسيحاول الجميع
تجاهل إرث ثقيل
من الاضطهاد
والكراهية
بين المسيحيين
واليهود".
إن نظرية صراع
الحضارات وكما
بلورها " صمويل
هنتنغتون"
مقولة صراعية
تدفع بأميركا
وبالغرب بماديته
وإمكاناته
العلمية والمعلوماتية
لممارسة الهيمنة
ونفي الآخر\
الجنوب والسيطرة
على ثرواته
الروحية والفكرية
والمادية تارة،
تحت غطاء الحماية
وتارة أخرى
باسم الليبرالية
والانفتاح
والعولمة.
العولمة ودعوى
صراع الحضارات
تواجه العالم
الإسلامي والعربي
بصفة عامة والدول
الجنوبية الفقيرة
على وجه الخصوص
ثقافة جديدة
اسمها ثقافة
العولمة بهيمنة
أميركية، والعولمة
حركة أو منهج
سياسي اقتصادي
بحت، استراتيجيته
الكبرى هي سيطرة
رأس المال على
كل شيء، على
السلوك والتفكير
والنظرة الى
الأمور والأشياء.
والواقع أن
الدعوة الى
العولمة لها
ارتباط وثيق
بأطروحة صراع
الحضارات،
فإذا كانت العولمة
تهدف من ضمن
ما تهدف اليه
إيجاد السوق
الكبرى المروجة
لإنتاجات الدول
الصناعية الكبرى
المروجة، وجعل
الدول الصغرى
مجرد سوق مستهلكة
مرهقة بالديون
مشلولة الإرادة،
فإنها لا محالة
ستجد صعوبة
في فرض هذه "
الثقافة" على
الشعوب المرتبطة
بتراثها المتشبثة
بدينها وبمقوماتها
الفكرية وبقيمها
الاجتماعية
والاقتصادية،
ولهذا فمن تنفيذ
وتحقيق العولمة
لا بد لها من
محو الديانات
وتذويب الثقافات
ومسخ الهويات،
فإذا أعلنت
الشعوب والدول
عن رفضها ومقاومتها
لغايات العولمة
المتوحشة ولدت
أطروحة صراع
الحضارات،
بمعنى أن حضارة
الشرق\ الجنوب
حضارة متخلفة
لا تستسيغ التحضر
والمدينة الغربية
المتطورة،
والخلط بين
دعوى صدام الحضارات
وبين ثقافة
العولمة خلط
مقصود سيئ النية
هدفه سيطرة
الغرب على العالم
لتثبيت منظومته
الواحدة الراغبة
في طمس الخصوصية
وإعادة إنتاج
الأنموذج الواحد
أو القالب الحضاري
المكرور سياسيا
واقتصاديا
واجتماعيا
وثقافيا ودينيا
وعسكريا.
والمؤكد ولله
الحمد أن كل
المؤشرات تثبت
أن العولمة
بهذا المفهوم
والقصد سائرة
في طريق مسدود،
طريق يجانب
فطرة الله في
خلق الكون،
لأن الشخصية
الإسلامية
تنبني أساسا
على قيم روحية
رسخها القرآن
الكريم والأحاديث
النبوية حتى
أصبحت عنصرا
مهما في تركيبتها،
ومستحيل إن
يتخلى عنها
أو يهملها المسلم
الحقيقي، وإلا
فقد مبرر وجوده
وكينونته. إن
قبول ثقافة
العولمة رهين
باحترام الآخر
وتقدير هويته
وقيمه وعقيدته
ليحدث نوع من
الانصهار والتمازج
والحوار بين
الحضارات.
صراع أم حوار؟
إنه لمن اللامعقول
أن ننظر الى
صراع الحضارات
كعملية منفصلة
عن حوار الحضارات،
إنهما عمليتان
متلازمتان
ومتكاملتان،
الصراع يليه
الحوار، والدعوة
الى الحوار
سمة من سمات
النصف الثاني
من القرن العشرين"
فعندما ترددت
في أرجاء العالم
السياسية والفكرية
نظرية" هنتنغتون"
عن صدام الحضارات،
الذي تمت الدعوة
اليه بقوة في
جميع المحافل
والملتقيات
وعمل على إنجاحه
قصد تجنيب العالم
ويلات الصراع
وكوارث الصدام
الحضاري".
وهكذا فالتاريخ
البشري لم يعرف
بشكل عام حوارا
أو تفاعلا للحضارات
إلا وسبقه صدام
بين الحضارات،
ولكن كيف تقتنع
بأن العلاقة
بين الحضارات
محكومة فقط
بالصراع والصدام
وليس التفاعل
والحوار؟
لقد تم الحوار
بين الحضارات
دائما وأبدا
وعلى مر التاريخ
الحضاري للإنسانية،
صحيح أنه كانت
هناك حالات
من التنافس
والتفاعل،
وهما عمليتان
صراعيتان أيضا،
ولكن هذا النوع
من الصراع كان
متجها أصلا
نحو البناء
الحضاري والاستجابة
الواعية لتحديات
العصر، عكس
أطروحة صدام
الحضارات كما
صاغها " هنتنغتون
" التي تدعو
الى إقامة مركزية
حضارية نافية
للآخر ومتحكمة
فيه وفارضة
لأنموذجها
الوحيد والمتعصب.
إنه لمن الخطأ
الفادح في اعتقادي،
إنكار حقيقة
أن ما وصل إاليه
الغرب من حضارة
ومدنية وتقدم،
إنما كان نتيجة
لتفاعل وتضافر
حضارات الشرق
معه في العصور
الماضية والوسطى
والحديثة،
ففي مراحل متعددة
كان الشرق يقدم
الى الغرب المادة
الخام لحضارته
فيصوغها هذا
في أشكال محددة
منظمة".
لا شك أن الخيار
البديل للصراع
يبقى هو الحوار،
باعتباره فريضة
شرعية وضرورية
بشرية حتمية،
وظاهرة كونية،
وجزء أساس من
دينامية التحول
وواقع التنوع
والتفاعل داخل
المجتمعات
الإنسانية،
ووسيلة ناجعة
لالتقاء الحضارات
وتكاملها،
وقد عزز هذا
التوجه الواعي
للحقيقة التارخية
المتمثلة في
سنة التثاقف
والتمازج الحضاري
ولي العهد البريطاني
الأمير تشارلز
سنة 1993 م ففي الكلمة
الشجاعة التي
ألقاها في مركز
أكسفورد للدراسات
الإسلامية
قائلا:" لم يعد
باستطاعة العالمين
الإسلامي والغربي
البقاء بعيدين
عن بعضهما بعضا
وعدم الاشتراك
في جهد مشترك
لحل مشكلاتهما
المشتركة،
يجب أن نسهم
معا في خبراتنا،
وأن نشرح أمورنا
كل منا للآخر
لنتفهم ونتسامح
ونتحمل معا".
وأخيرا وليس
آخرا، إن الضرورة
التاريخية
الحتمية تكمن
في الحوار باعتباره
مطلبا إنسانيا
وواجبا أخلاقيا
وشرطا أساسيا
للتعاون
والتعايش
بين الأمم والشعوب.
طبع